كيف حوربت انتفاضة القدس؟

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » كيف حوربت انتفاضة القدس؟
انتفاضة 9

انطلقت انتفاضة القدس بوتيرة عالية جدًا وغير مسبوقة في بدايتها وحافظت على الزخم حتى أواخر الشهر الأول إلى منتصف الشهر الثاني، وحققت عنصر المفاجأة والصدمة سواء للمجتمع أو المحللين أو الاحتلال.

فيما أخذ النيل من الانتفاضة أشكالًا متعددة بين عدم الاعتراف بها، أو تسميتها هبة شعبية، أو الرفض الإعلامي ومحاولات تكريس العمليات المقاوِمة كانتحار أو قتل بشبهة أو إعدام، إلى جانب محاولات التقليل منها ومن شأنها ومن مشاركة الفصائل فيها.

في هذه الأجواء كان الاحتلال يعمل بجِد وبطريقة تطويق النار للحد من الانتفاضة ومحاولات تقليل خسائره وإنهاء أي نشاط يغذيها.

فبدأ بمنع تسليم الجثامين وذلك منذ 10/10/2015 ثم اكتشف أنه أخطأ بالاحتفاظ بها بعد مسيرة العائلات في الخليل التي انتهت بمواجهات عنيفة في 26/10/2015 واحتجز فيها وجهاء العائلات في الارتباط العسكري؛ ليسلم الاحتلال 5 جثامين في 31/10/2015 فيشيعون في موكب مهيب في 31/10/2015.

وهنا أدرك الاحتلال خطورة الموقف فتراجع عن أي تسليم دون شروط تحد من جماهيرية الانتفاضة وتحد من تعظيم بطولة الشهداء وعملياتهم. لكن خلال عملية احتجاز الجثامين شن حملات اعتقال يومية وواسعة في معظم المحافظات، ولكن الانتفاضة استمرت.

شكلت رام الله قلب الانتفاضة من حيث تمركز التغطية الإعلامية والاستمرار الأطول للمواجهات، وقد أخذت نصيبًا من قمع الاحتلال جمع بين الكم والنوع، هناك 3 محطات استهدف فيها الاحتلال شلّ عصب الانتفاضة من خلال ضرب المفاصل أو المستويات بحيث يضمن عملية ردع فورية على النحو الآتي:

أخذ النيل من الانتفاضة أشكالًا متعددة بين عدم الاعتراف بها، أو تسميتها هبة شعبية، أو الرفض إلى جانب محاولات التقليل منها ومن شأنها ومن مشاركة الفصائل فيها

- 20/10/2015 اعتقال الشيخ حسن يوسف، وهذا الاعتقال بهذا المستوى القيادي يحقق الردع في المستوى السياسي والقيادات الاجتماعية، وبالتالي ضمن تراجع المسيرات الأسبوعية في رام الله والتي لم تستمر إلا بصعوبة ولكن دون تبلور قيادة فعلية.

- 21/11/2015 اعتقال الصحفي محمد القيق، وهذا الاعتقال أيضًا يحقق الردع على المستوى الإعلامي والنشطاء ليحسب كل متحمس أقواله وأفعاله وبالتالي القضاء على الصوت الإعلامي الذي كان متفائلًا بحيثيات ومستقبل الانتفاضة.

- 16/12/2015 اعتقال قيادة ورئيس وأعضاء مجلس اتحاد الطلبة في بيرزيت، وهو المفصل الشبابي الحيوي الذي بقي متقدًا رغم كل العواصف ومحاولات الإسكات.

وهنا يمكن القول أن حضور حركة حماس الإعلامي والموجه للميدان تمركز في رام الله وهذا يأتي منسجمًا مع طبيعة المكان وما له من مركزية، وإيجابية للحركة، لكنه سلبي في نفس الوقت من حيث عدم وجود مركزية مرادفة في أماكن أخرى، ومن هنا نلاحظ المحطات التي حرص على تحقيقها الاحتلال بهدوء لسحب بساط الانتفاضة، ليس لينهيها بل ليحيط بها ويجفف أسباب استمرارها.

ثم تركزت اعتقالات الشهر الثاني (11) من الانتفاضة على خلفية المنشورات الفيسبوكية.

ويشار إلى قيام الاحتلال بإغلاق راديو الحرية في 07/11/2015، ثم إغلاق راديو الخليل في 21/11/2015، ثم إخطار راديو الناس بجنين بالإغلاق في 27/11/2015، وهي فترة استهداف الإعلام على رأسه الصحفي محمد القيق؛ استهداف بدعوى التحريض، إغلاق نتج عنه تراجع إلى الصفر في طريقة التعاطي مع الحدث، وفي طبيعة العرض الإخباري وما يرافقه من أغانٍ وطنية وثورية.

وقد قام الاحتلال في 26/11/2015 بمصادرة 8 حافلات لشركة التميمي بنابلس؛ في محاولة لوقف نشاطات الكتلة الإسلامية حتى لو لم تكن للانتفاضة. أما أجهزة السلطة فقد مارست التهديد والتخويف لمن يشاركون في نشاطات الكتلة مثل ما حصل في بيرزيت في 09/12/2015 حيث نقلت الكتلة الطلبة إلى بيت إيل بالسيارات بعد اعتذار الحافلات عن نقل الطلبة بدعوى تهديد أجهزة أمن السلطة لها.

ويأتي بموازاة ذلك التأخر وعدم المشاركة لبعض وسائل الإعلام في مواكبة الحدث، مما يرسل رسالة مفادها أن الشعب في طريق وهم في طريق، بالإضافة إلى الاختلاف الحاد في سياسة الخطاب الإعلامية والتي ترسل رسالة مفادها أننا مختلفون على شرعية المقاومة، وأن هناك أطراف تضع مصلحتها في موازاة إرادة الشباب ومن ورائه حاضنته المجتمعية.

على الضفة الأخرى مارست فتح والأجهزة الأمنية أسلوبًا مغايرًا في الجنوب في الانتفاضة تمثل في ركوب الموجة بعد محاولة الوقوف في وجه الكتلة ومنع الخروج باتجاه نقاط تماس، كما عملوا على الحضور في مسيرات العائلات المطالبة بجثامين الشهداء في محاولة أخرى أيضًا للتستر بالعلم ورفض أعلام الفصائل، كما حرصوا على تبني الشهداء ومساومة أهاليهم على ذلك، وتحضير مواد إعلامية للتوزيع وللسير في مسيرات باتجاه بيوت العوائل.

في الفترة ذاتها شهدت جامعة البوليتكنك في الخليل عدة اعتقالات تركزت لدى السلطة، كما استمر الاعتقال السياسي في جامعة النجاح، و ادعت الأجهزة الأمنية اعتقال وإعادة عدد من الفتيات اللاتي كن ينوين الذهاب لتنفيذ عمليات طعن، وشوهت الفعل بدعوى الانتحار والمشاكل النفسية والمشاكل العائلية، وحرصت على ترويج ذلك إعلاميًا.

كما كان للتربية والتعليم دور بدأ أواخر الشهر الأول من الانتفاضة بجلسات إرشادية ودعوات للأهالي بدعوى السلامة؛ تناولت الحديث عن العمليات والسكاكين والوصول للمدرسة أو العودة للبيت.

كل السياسات الممارسة لقمع الانتفاضة غفلت عن أن للردع رد فعل، وأن وعيًا تشكل وثقافة انسابت لا يمكن الحد من تأثيرهما أو التنبؤ بما يمكن أن ينشأ عنهما

وبالعودة إلى أرقام الاعتقال السياسي والاستدعاءات التي بُلغ عنها خلال فترة الانتفاضة نلاحظ ارتفاعًا في عدد الاعتقالات والاستدعاءات السياسية من قبل أجهزة السلطة لتصل إلى (262) حالة في الشهر الأول للانتفاضة -تشرين أول/ أكتوبر- مقارنة بـ (199) حالة في شهر أيلول/ سبتمبر، ثم انخفاضًا في الشهر الثاني تشرين ثاني/ نوفمبر وصل إلى (15) حالة اعتقال واستدعاء، ورافق هذا الانخفاض ارتفاع في ملاحقة قوات الاحتلال لنشطاء الانتفاضة من الفتيان طلبة المدارس والجامعات وغيرهم، وعاودت الملاحقة من قبل أجهزة السلطة مواصلة الارتفاع في الشهر الثالث كانون أول/ ديسمبر لتصل إلى (209) حالة متزامنًا ذلك مع اعتقالات من قبل الاحتلال تركزت على النوع لا الكم.

ولكن كل السياسات الممارسة لقمع الانتفاضة غفلت عن أن للردع رد فعل، وأن وعيًا تشكل وثقافة انسابت لا يمكن الحد من تأثيرهما أو التنبؤ بما يمكن أن ينشأ عنهما، وأن الانتفاضة حققت تثبيت الفعل على الأرض مهما ضعفت وتيرة الزخم وتباعدت، وأنها تملك مقومات الاستمرار الطويل ما دامت تعتمد على الأفراد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

بيان علمائي: وصف حركة حماس بـ “الإرهاب” تدليسٌ وعدوان

رفض بيان صادر عن ثلّة من علماء الأمَّة الإسلامية رفضاً قاطعاً الاتهامات الموجهة للمقاومة الفلسطينية، …