ماذا تترك خلفك على وسائل التواصل الاجتماعي؟

الرئيسية » خواطر تربوية » ماذا تترك خلفك على وسائل التواصل الاجتماعي؟
Apple iPhone with Social Media Apps

في وسط المتاهات التي يخلقها ذلك العالم الافتراضي، ثمةَ شعورٌ مخيفٌ يرافقُ فكرة كوننا الجيل الأول في عصرِ العولمة أو عصر التواصل الاجتماعي المنفتح على مصراعيه، فنحن الفعل ورد الفعل معاً.

كل تلك الوسائل التكنولوجية المتاحة يفترض منها أن تُوفر لنا زمناً خارجاً عن حدود النص، نضاعف فيهِ جهودنا لنصنعَ فكرتنا ونروجها ضمن أعلى مستوى من التميز والابتكار، فإذا بها للأسف تحوّل مسارنا إلى غير الوجهة التي كان حريٌ بنا أن نتوجهها.

فنراها اليوم تسرق منا أيامنا وأوقاتنا بكل مكر وخبث دون أن ندرك أهمية النعمة الحقيقية الذي وضعت بين يدينا، دون أن ندرك الغاية التي وجب علينا أن نتصالح معها من أجل تحقيق النهوض الإسلامي في شتى مجالاته، فإذا بها تلتف بنا حول مسارٍ آخر كان الأصل ألا نلقي له بالاً، و لكن ربما أن زخرف الحياة أصبح يحتل مكانةً مرموقةً زينها ذلك العالم في عيون أصحابه وشلّ ضمائرهم بدعوى أنهم يقدمون ما بوسعهم من أجل نصرة قضيتهم وأفكارهم.

أصبح كل من له ذكاء تسويقي يعمد على ترويج ذاته عبر هذه الصفحات والمواقع الإلكترونية المغرية، ويطلق على نفسه تسميات أكبر من مقاسه

فأصبح كل من له ذكاء تسويقي يعمد على ترويج ذاته عبر هذه الصفحات والمواقع الإلكترونية المغرية، ويطلق على نفسه تسميات أكبر من مقاسه، فكل من اهتم بقضةٍ إنسانيةٍ سمى نفسه "ناشطاً"، وكل هاوٍ بالكاميرا أطلق على نفسه "مصوراً" ذلك يعني أن الهدف الأساسي لأصل كل تلك النشاطات انحرف عن مساره، وأصبح الارتقاء والاستعجال لتقديم ذواتهم للمجتمع هو هدفهم الأسمى.

فهذا المسار أصبح خطراً يهدد أمن أفكارنا وسلامتها، فهو بذلك يسقطها في وحل العشوائية من أجل التلذذ بالذات.

واليوم أصبح من نحسبهم أهل ثقافة وفكر لا يهدفون إلا لجمع المصفقين حولهم حتى لو كان ما يقدمونه ذا فحوى ركيك وسخيف أو لا يتصالح مع أفكارهم ومبادئهم، فكل همهم إشعال الساحة بوجودهم، وإشعار معجبيهم بالهالة التي يقدمونها، حتى لكأنهم استعجلوا اللمعان ونسوا أن "ليس كل ما يلمع ذهباً".

 نحن اليوم ندور حول غيرنا لا حول ذواتنا، نكتب ما يعجب الآخرين وما يرغبون بسماعه لا ما نحب نحن ولا ما نرغب بسماعه

هذه الأزمة أخلت توازن أفكارنا، فنحن اليوم ندور حول غيرنا لا حول ذواتنا، نكتب ما يعجب الآخرين وما يرغبون بسماعه لا ما نحب نحن ولا ما نرغب بسماعه. نبحث عن ذاتنا في ذواتهم ونسينا أصل ذاتنا وغضضنا الطرف عنها فسرقنا منها.

أستنكر مواقف تلك الشخوص، وأسأل مستنكرةً عن سر ذلك التحول ومآله، أهو الرغبة في البريق والنجومية؟ أم انتشال الذات من منطقة الظّل إلى النور؟ أم أنه هروب من زلات ذواتنا إلى عالم لا يعرفنا قد ننتصر عليه بوسائل بسيطةٍ ترفع مستوى كفاءتنا الذاتية وتشعرنا بعظم أنفسنا في عيوننا، سواءً أكان ذلك بصورة نأخذها، أو بمنشورات نكتبها. وأظن أن الاعتقاد الأخير هو الأرجح للصواب، فهزيمتنا الداخلية أكبر من أن تستوعبها عقولنا، وخيبات أملنا بأوطاننا فاجعة، ونكران مجتمعاتنا لإمكاناتنا مميتة، فكم من باحث بحق لا يجد متبنٍ لبحثه، وكم من عالم لا يجد من يقدر عقله ويثمنه؟

حريّ بنا أن نخطط لأن نخلّف وراءنا ما يستحق الدراسة، ولنكتب.. ما يستحق القراءة

بالنسبة لي تُرعبني فكرة أن يأتي ذاك اليوم الذي سيخضعُ فيه جيلنا للدراسة والتحليل، ويتبين أننا أو معظمنا لم يترك خلفه سوى منشورات لحظيةٍ عقيمةٍ دخل بها ذاكرةً محدودة الزمان والمكان، ذلك بدل أن يسطر إنجازات وكلمات يقتحم بها ذاكرة الزمان والتاريخ، ويكون رقماً صعباً في عالمه.

قبل ثلاثة عقود تساءل المفكر محمد الغزالي في كتابه "الغزو الثقافي يمتد في فراغنا": "أينَ ذهبَ الوقت الذي وفرتهُ لي الآلات المُسخرة؟!"

واليوم، حريّ بنا أن نضيف تساؤلات جديدة عن الوقت، عن المعلومات، عن الإمكانات، وعن كل هذه التسهيلات التي تسكن بيوتنا وتملؤ أيامنا، حريّ بنا أن نخطط لأن نخلّف وراءنا ما يستحق الدراسة، ولنكتب.. ما يستحق القراءة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

الجمال في الصفح والهجر والصبر

(1) الصفح الجميل أجمل الصفح عندي، ليس الذي يكون بلا عتاب، كقاعدة مطلقة. بل . …