مصيدة… ذات خبايا

الرئيسية » خواطر تربوية » مصيدة… ذات خبايا
challenges13

من الممكن أن تلمح إعلاناً تشدّك بعض تفاصيله فتقع في شركه وقد يقودك الأمر إلى ملاحقته من زاوية إلى أخرى، فتجد نفسك فعلاً في المصيدة!

أعراض الوقوع في المصيدة:

اختبر نفسك، هل يحصل شيء من هذا؟

1. تمارس شيئاً ما يومياً وبانسجام لا يمكن لقوة في الكون أن تعيدك منه إلى حالة السبات.

2. تشعر بالإثارة والنشاط الذهني المتوقد فلا ينطفئ فتيل حماستك ما دمت في محيطه.

3. تدخل إلى شبكة الإنترنت وتزور المواقع التي تتحدث عنه وتنسى نفسك فيمر الوقت بينما أنت في رحابه دون أن تشعر بمروره.

حين تشعر بأن قوة الكون كاملة بداخلك تدفعك لتعيش تفاصيل التفاصيل فأنت مثال حيّ وحيوي للحالة التي أشير إليها

4. تتحدث عنه مع الأشخاص من حولك وتستغل أية فرصة لإقحامه في الحوارات لدرجة تجعل البعض ينبهك أحياناً إلى أن حديثك عنه قد ازداد لدرجة غير مقبولة مثلاً.

5. تقتطع من مصروفاتك التي قد تكون محدودة جداً لأجل تغذيته ورعايته واستمراره.

6. تشعر بأن له رهبة وهيبة وحضوراً لا يقاوم، فكل مرة تمارسه فيها كأنها الأولى.

إذا أجبت بـ(نعم) واحدة، فرجلك على الحافة لكنك وقعت في المصيدة فعلاً، يمكنك تدارك الأمر والخلاص منه بالتأكيد، حتى إذا كنت تفعل كل ما سبق بصورة يومية، ولكن ستنتبه إلى أن ذلك سيتطلب وقتاً ومجهوداً يتضاعفان كلما زاد عدد الـ(نعم) واحدة، ولكنني أود أن أنبهك قبل ذلك إلى أن الإصابة المركبة تجعلك تنظر إلى كل تجربة وكل لحظة في حياتك وحتى يومياتك التي تمثل (الروتين) الذي يشكو منه البعض، فتعيشها أنت وتستمتع بها وتتفاعل معها وكأنها الأولى، إن كنتَ كذلك فأنت غارق لا محالة، وشفاؤك ليس ممكناً للأسف.

وحين تشعر بأن قوة الكون كاملة بداخلك تدفعك لتعيش تفاصيل التفاصيل، فتشعر طوال الوقت بمشاعر خليطة من أعلى درجات الفضول، الحماس، الشوق، الحب، الطاقة الإيجابية، الانسجام، التواؤم، السعادة ودهشة المغامرة لدرجة أن تتلون حياتك بألوان غير تلك التي تعرفها سابقاً، ويراها الآخرون، حين تشعر بذلك فأنت مثال حيّ وحيوي للحالة التي أشير إليها.

المضاعفات، والمضاعفات الخارقة:

لعل الأمر يظل في المستوى الطبيعي دون تهديد بالخطر إن توقف بك الأمر عند الاستمتاع بالحياة بدون إرهاق، لكن ظهور المضاعفات سيجعلك متعباً –ولكن سعيداً– طوال حياتك، أما إذا تابعت ذلك بلا مقاومة وكأنك منوم مغناطيسياً، فأبشرك بحياة لا كلل فيها ولا ملل، ولا راحة أيضاً ولا تطابق مع أحد من البشر أو عقل من العقول أو فكرة من الأفكار.

يرميك من حولك بانتقادات وتعليقات وصعوبات كالصخور، لو ألقيت على جبل لحفرت فيه عميقاً، لكنك برغم ذلك كله تشعر بالسلام الكامل مع نفسك

وحينها لن تكون لديك إمكانية للتعافي ولا فرصة للتفكير، فقد تحولت أيادي المصيدة إلى أذرع أخطبوط تقيد أضلاعك، وتحبس رغباتك في فلكها، ستشعر بالضياع لكن ضياعك ذاك سيساعدك في أن تجد نفسك فيما بعد، وحينئذ ستكون كل مشاعرك معرضةً للالتهاب فجأة، وستصاب باحتقان الرغبات في روحك من وقت لآخر، إلى الحد الذي تستسلم عنده لها بدون مقاومة. وتعيش بقية حياتك متنقلاً بين حقولها إلى أن ينتهي أجلك.

لكنك أيضاً لن تكترث لأجلك الذي سيأتي، فكل تشخيص جديد لحالتك سيجعلك مؤمناً أكثر بجدوى الدوران في الفلك الذي تدور فيه، بينما تجد الكثيرين ممن حولك لا يزالون يفتشون عن زاوية تقبل أن تستضيفهم، أنت لم تتعب في ذلك؛ لأنك حين تعلق بالمصيدة فستؤثث عالمك بتفاصيله على طريقتك، وستكون بالتالي مستعداً هنا للموت فقد أوجدت معنى لحياتك وغذيته كما يجب، وصنعت الأساس الذي سيستمر كما أردت له حتى بعد رحيلك عنه، وفعلت ما تحب في حياة متاحة لك بكاملها، ثم استسلمت لتموت بهذا الرضى.

أنت الآن تسير بشكل مختلف عن الجميع، يرميك من حولك بانتقادات وتعليقات وصعوبات كالصخور، لو ألقيت على جبل لحفرت فيه عميقاً، لكنك برغم ذلك كله تشعر بالسلام الكامل مع نفسك، التصالح مع كل ما فيها، وهذا بالضبط ما أسميته المضاعفات الخارقة، إنه المرض المرغوب الذي لن تتمنى الشفاء منه.

يقول تشارلز بوكوفسكي عن ذلك: "جِد مَا تُحبّ ودَعهُ يَقتلك" يسعدني أن أقول لك: إن تلك الحالة تسمى (الشغف) وهو ليس حالة بالضبط إنما الشغف هو الحياة مع التجلّي حيث تترك قلبك حراً طليقاً، وتركض خلفه بحماس وطفولة لا تنتهيان، تأخذ الحياة فيه على محمل الجد بدون تذمر؛ لأنك مدركٌ مسبقاً لحكمة ذلك كله.

إن الشعور بدفقة واحدة فقط من الشغف تجعل قوة كل هذا الكون تتجمع بداخلك، فتعيش تفاصيل حياتك الروحانية، الاجتماعية، والعملية بانسياب ومتعة

إن الشعور بدفقة واحدة فقط من الشغف تجعل قوة كل هذا الكون تتجمع في داخلك، فتعيش تفاصيل حياتك الروحانية، الاجتماعية، والعملية بانسياب ومتعة، شيء واحد عليك الانتباه إليه جيداً وهو التوازن حتى لا تتفلت الأمور من بين يديك، ولا يطغى جانب في حياتك على آخر، عليك أن تتوخى الحذر وأنت تستسلم له؛ حتى لا تصل إلى مرحلة تجد الأرضية التي تقف فوقها مائلة، أو غير متماسكة تماماً.

جد شغف حياتك واسمح له بالنفاذ إلى كل واجباتك ومهامك ليكون حافزاً على القيام بها لا معيقاً لها، وليعينك كذلك على استيعاب العقبات مهما كانت معقدة، وحتى تجد شغف حياتك فأنت بحاجة إلى هذا المفتاح فقط: "رفق" وهي اختصار (رغبتك، فرصتك، قدرتك) جد هذه الأشياء بامتياز، وسيكون شغفك واضحاً كشمس.

مع أنني لا أحب توجيه النصائح، إنما أفضّل أن تكون لكل إنسان تجربته الخاصة التي يتمرّغ خلالها في طين هذي الحياة وأشواكها، حتى يحشو جراحه بالخبرة بنفسه، لكنني مضطرةٌ لأن أوجه لك نصيحتي هذه المرّة: إذا كنت تريد حياة عادية، باردة، خاليةً من المعوقات، بعيدة عن الخطر، فابق بعيداً عن اكتشاف الشغف!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

أصلح قلبك تتحرر قدسك

المتأمل في بقعة المحشر لأهل #الضفة (معبر قلنديا) وهو أحد المعابر المقيتة لمدينة #القدس والذي …