“وصايا على الطريق” في ذكرى استشهاد الإمام البنا

الرئيسية » خواطر تربوية » “وصايا على الطريق” في ذكرى استشهاد الإمام البنا
albana

في مساء الأربعاء 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 1948م، أعلن رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي حلّ جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها. وفي 12 فبراير/ شباط 1949م، أطلقت النار على الإمام حسن البنا أمام جمعية الشبّان المسلمين، فنقل إلى مستشفى القصر العيني وترك ينزف حتى فارق الحياة.

رحل الإمام الشهيد حسن البنا بعد أن أسّس دعوة مباركة وعملاً إسلامياً رائداً انتشر في ربوع الأرض، ولا تزال الأمَّة الإسلامية تجني الثمار اليانعة لذلك الغرس الطيّب في مختلف مجالات الحياة، ولا يزال ذلك النور الذي ألهب ضياءه بفكره ورؤيته ومنهجه يشعّ ضياءً في أرجاء الأرض.

تمرّ اليوم الذكرى السابعة والستون لاستشهاد الإمام حسن البنا، والتاريخ يعيد نفسه، فالذين أرادوا باغتياله اغتيال الفكرة والمنهج لم يفلحوا، لقد ذهبوا ورحلوا وبقيت الفكرة والمنهج، والذين يريدون اليوم اغتيال الفكرة والمنهج باعتقال قادة الدعوة ونسج حكم المؤبد والإعدام ضدهم، لن يفلحوا، سيرحلون ويخلّد التاريخ أفعالهم الشنيعة وجرائمهم، وتبقى الفكرة والمنهج ينبضان بالحياة لأنهما موصلان بالخالق سبحانه.
وفي ذكرى استشهاد الإمام البنا، نقتبس من فكره النيّر وكلماته الهادية ومنهجه الرّائد هذه الوصايا والخواطر في العاطفة والفناء والأمل والشعور..

عاطفة..

ونحبّ أن يعلم قومنا أنهم أحبّ إلينا من أنفسنا، وأنَّه حبيب إلى هذه النفوس أنَّ تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنَّه لعزيز علينا جدّ عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، و لن نكون عليكم في يوم من الأيام.

نحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب و لن نكون عليكم في يوم من الأيام

فناء..

ونحبُّ أن يعلم قومنا إلى جانب هذا أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلاّ من حاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:24).
فهي دعوة لا تقبل الشركة إذ أن طبيعتها الوحدة فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به، ومن ضعف عن هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين ويكون مع المخلفين ويقعد مع القاعدين، ويستبدل الله لدعوته به قوما آخرين (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة:54).

دعوة لا تقبل الشركة إذ أن طبيعتها الوحدة فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به، ومن ضعف عن هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين

أمل وشعور..

أحبُّ أن تعلم يا أخي أنّنا لسنا يائسين من أنفسنا وأنَّنا نأمل خيراً كثيراً، ونعتقد أنه لا يحول بيننا وبين النجاح إلاّ هذا اليأس، فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله تعالى، لهذا نحن لسنا يائسين و لا يتطرَّق إلى قلوبنا والحمد لله.

وكل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين، إنَّك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت ومن حركة إلى سكون شعرت بقرب نهايته وعسر شفائه واستفحال دائه، فإذا انعكس الأمر وأخذ يتدرج من صمت إلى كلام ومن همود إلى حركة شعرت بقرب شفائه وتقدمه في طريق الصحة والعافية.

ولقد أتى على هذه الأمم الشرقية حين من الدهر جمدت فيه حتى ملها الجمود وسكنت حتى أعياها السكون ولكنها الآن تغلي غليانا بيقظة شاملة في كل مناحي الحياة، وتضطرم اضطراما بالمشاعر الحية القوية والأحاسيس العنيفة.

أحبُّ أن تعلم يا أخي أنّنا لسنا يائسين من أنفسنا وأنَّنا نأمل خيراً كثيراً، ونعتقد أنه لا يحول بيننا وبين النجاح إلاّ هذا اليأس

ولولا ثقل القيود من جهة والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة أروع الآثار، و لن تظل هذه القيود قيودا أبد الدهر فإنما الدهر قلب، وما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال، ولن يظل الحائر حائرا فإنما بعد الحيرة هدى وبعد الفوضى استقرار، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

لهذا لسنا يائسين أبداً، وآيات الله تبارك وتعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته في تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء، وما قصه علينا في كتابه، كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع، ويرشدنا إلى طريق النهوض ولقد علم المسلون –لو يتعلمون-.

وإنَّك لتقرأ الآية الكريمة في أول سورة القصص: {طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}. (القصص:1-6) .

لم ييأس الإخوان المسلمون من أن ينزل نصر الله على هذه الأمم رغم ما يبدو أمامها من عقبات

تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته ويعتز بقوته، ويطمئن إلى جبروته ويغفل عن عين الحق التي ترقبه، حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين وتأخذ بناصر المهضومين المستضعفين فإذا الباطل منهار من أساسه، وإذا الحق قائم البنيان متين الأركان وإذا أهله هم الغالبون، وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات كتاب الله عذر في اليأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام تؤمن بالله ورسوله وكتابه. فمتى يتفقه المسلمون في كتاب الله؟

لمثل هذا يا أخي وهو كثير في دين الله لم ييأس الإخوان المسلمون من أن ينزل نصر الله على هذه الأمم رغم ما يبدو أمامها من عقبات، وعلى ضوء هذا الأمل يعملون عمل الآمل المجد، والله المستعان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

لكنك عند الله غالٍ

طبيعة الحياة أنها مجبولة على كدرٍ لا تكاد تصفو لبشر، ولو أنها استقامت لأحد لكان …