الزَّاهدون في المناصب

الرئيسية » كتاب ومؤلف » الزَّاهدون في المناصب

إنَّ نظرة الإِسلام إِلى المناصب هي نظرة تحمُّل المسؤوليَّة، أَمام الله، وأَمام عباده، لذلك ورد عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنّه قال: ((من استعمل رجلاً لمودة أو لقرابة لا يستعمله إلاّ لذلك، فقد خَانَ الله ورسوله والمؤمنين)).

 وقد بوّب البخاري في صحيحه باباً سمّاه (باب ما يكره من الحرص على الإمارة)، جاء فيه حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: ((إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة)). قال ابن حجر في فتح الباري: (قال الداودي: نعم المرضعة أي الدنيا، وبئست الفاطمة أي بعد الموت، لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها، وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها التبعات في الآخرة).

والمناصب مهما كان نوعها أو حجمها، فهي أمانات مسؤولة، وهي من بين أعلى مراتب الأمانة، والتفريط فيها بتسليمها لغير المؤهلين لها يُعَدّ خيانة عظيمة. ولذلك لما سأل أبو ذر رضي الله عنه – وهو من هو في الصلاح والزهد والعلم والخُلق –الرسول عليه السلام– لماذا لا يستعمله (أي يوليه وظيفة عامَّة)، قال له: ((يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). (رواه مسلم).

وفي تاريخنا الإسلامي نماذج كثيرة لشخصيات زهدت بالمناصب؛ منهم من زهد بالمنصب زهداً بالمنصب ذاته وبغيره، لأُمور ارتآها، كتفرُّغه للعلم والتَّدريس، أَو ورعاً، ومنهم من زهد بالمنصب لمن هو أَجدر منه وأَحقُّ، ومنهم من تسلَّم المنصب بشروطه، وكان زاهداً به في كلِّ لحظاته، فلم يخشَ العزل بسبب قولة حقٍّ، أَو موقف عدل.

ومن الكتب التي عرضت بعضاً من تلك النماذج، كتاب (الزّاهدون في المناصب)، للدكتور شوقي أبو خليل، رحمه الله، فإلى التفاصيل:

مع الكتاب:

يقول الكاتب في مقدّمة الكتاب: (ومنهج عرض هذه الباقة من أَخبار الزَّاهدين في المناصب: تسلسل سنيِّ الأَحداث وفق وقوعها، الأَقدم فالأَحدث حتَّى التَّاريخ الَّذي نعايشه).

وتضمَّن الكتاب قصصَ رجالٍ زهدوا في المناصب ومنهم: ثابت بن أقرم.. وأبو عبيدة بن الجراح.. وأبان بن سعيد بن العاص.. وعتبة بن غزوان.. وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي.. وسعيد بن عامر الجمحي.. والنعمان بن مقرن المزني.. وعبد الله بن عمر بن الخطاب.. وعبد الرحمن بن عوف.. والحسن بن علي بن أبي طالب.. ومعاوية بن يزيد بن معاوية ابن أي سفيان.. وعبد الرحمن بن عبيد التميمي.. وشريح بن الحارث بن قيس الكندي.. وأبو حنيفة النعمان.. وسوار بن عبد الله.. وأسد بن الفرات.. وأبو بكر زكريا بن عمر.. والعزّ بن عبد السلام.. والإمام النووي.. وابن دقيق العيد.. وابن طولون الدمشقي.. والشيخ سعيد الحلبي.

ويقول د. شوقي: (وزُهْد بعضهم بالمنصب ليس فريضة الاقتداء بها فلصاحبها وجهة نظره الخاصَّة من ورع، أَو تفرُّغ لعمل آخر يرى فيه مكانه المناسب، حيث الخير للأُمَّة والصَّلاح، أَمَّا الواجب الَّذي يُقتدى فاستلام المنصب لمن يرى نفسه أَهلاً له، مع أَنه أكبر قدراً منه، بعلمه وعدله وعمله وإِخلاصه وورعه.. ويزهد به، ويتخلَّى عنه حينما يرى أنَّ الحقَّ أَحقُّ أَن يتَّبع، فالاستقامة والعدل والعفَّة.. نصب عينيه، فإِن لم تتحقَّق ترك المنصب وزهد به عزيزاً كريماً، يرى نفسه ومكانته العلميَّة فوق المنصب حجماً ومكانة. وهناك من سيحرص على الإِمارة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ((نِعْمَ الشَّيء الإِمارة لمن أَخذها بحقِّها وحِلِّها، وبئس الشَّيء الإِمارة لمن أَخذها بغير حقِّها، فتكون عليه حسرةً يوم القيامة)).

ويرى الدكتور في كتابه أنَّ يوسف عليه السَّلام قبل المنصب لأَسباب وجيهة: طلب ملك مصر إِحضاره لتوليته أَمراً فسَّره له: {وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ، قالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. ويضيف: (ومع أَنَّ الأنبياء مكلّفون بتبليغ الدَّعوة بأَمرٍ من الله بداهة، قبل يوسف عليه السَّلام المنصب حيث إِثبات براءته أَيضاً، فلو كان قد هَمَّ بها بسوءٍ، لما رفعه الملك إلى منصب (وزير تموين) في حالة طوارئ، وظروف القحط الاستثنائيَّة).

 وقال المؤلف في خاتمة الكتاب: (ليست هذه كل النماذج التي مرَّت عبر تاريخنا الإسلامي ولكنّي تخيَّرت أهمَّها وأبرزها.. فهناك كثير غيرهم زهدوا بالمناصب لسبب أو لآخر وكلهم كانوا عظماء في مواقفهم فخلدوا مثالاً على العدل والنزاهة).

مع المؤلف:

هو شوقي أبو خليل، كاتب وباحث فلسطيني.

ولد في بيسان بفلسطين عام 1941م.

أكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب قسم التاريخ في جامعة دمشق عام 1965م، ثمَّ ذهب إلى أذربيجان ليحصل هناك على دكتوراه في التاريخ من أكاديمية العلوم.

بعد عودته عمل مدرساً لمادة التاريخ في ثانويات مختلفة في المحافظات السورية، ثم تدرج في المناصب الإدارية التعليمية إلى أن أصبح عضواً للمناهج والبحوث في وزارة التربية.

درس مادة التاريخ في كلية الدَّعوة الإسلامية، وفي كلية الشريعة في جامعة دمشق، عمل مديراً للتحرير في دار الفكر في دمشق.

له ما يزيد على 70 مصنّفاً حول التاريخ والحضارة الإسلامية، منها: آراء يهدمها الإسلام، غريزة أَمْ تقدير إلهي، مَنْ ضيَّع القرآن؟، فتح الأندلس، عوامل النَّصر والهزيمة، مصرع غَرْناطة، أحب أن أعرف تاريخ أمتي، أحب أن أكون، الإسلام نهر يبحث عن مجرى، الإسلام والتفاهم والتعايش بين الشعوب، الحضارة العربية الإسلامية، الإسلام في قفص الاتهام، وغيرها.

توفي الدكتور شوقي أبو خليل، يوم الثلاثاء، الموافق 24/ 8 /2010م.

بطاقة الكتاب:

العنوان: الزاهدون في المناصب.
المؤلف: الدكتور شوقي أبو خليل.
دار النشر: دار الفكر، دمشق، سوريا.
تاريخ النشر: 2003م.
عدد الصفحات: 176 صفحة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الأركان الأربعة

يرتكز بناء الإسلام على دعائمَ خمس مبيَّنَةٍ في الحديث الذي رواه الشيخان من رواية عبد …