في ميزان الإسلام

الرئيسية » كتاب ومؤلف » في ميزان الإسلام

تشكّل مسألة القيم والأخلاق ركناً أساساً لحماية الفرد والمجتمع والأمَّة من الأخطار المُحدقة بهم، خصوصاً مع موجة التحوّلات التي عصفت بالأمّة، وكشفت في الوقت نفسه عن عمق الخلل الفكري والتربوي والحضاري لدى أفرادها ومجتمعاتها.
إنَّه مهما تقدّمت البشرية، فستبقى تعاليم الإسلام وقيمه منارات هادية تدعو إلى الارتقاء بالنوع الإنساني نحو آفاق التوازن والاتساق والتكاملية الفعّالة بين العديد من الثنائيات التي أرهقت الإنسان في تفكيره ومعاشه ومستقبله.
ومن هنا، وجب التذكير بقيم الإسلام الحضارية وتجديد النظر فيها، والبحث في مختلف الوسائل الكفيلة بتجليتها لدى الرّأي العام الإنساني على مختلف المشارب الدينية والفكرية والحضارية.
إنَّ هذا الهدف هو ما سيحاول كتاب (في ميزان الإسلام) للأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس –رحمه الله– البحث فيه، فإلى التفاصيل:

مع الكتاب:

يؤكّد الدكتور عبد الحليم عويس في مقدمة كتابه حرصه الشديد على التركيز على القيم الكبرى التي مازالت الإنسانية تتعثر في الاهتداء إلى أمثل الطرق لتحقيقها وإسعاد الأفراد والمجتمعات بفوائدها.

ويرى الدكتور عويس أنَّ الحوار العالمي الذي دشن في السنوات الأخيرة بين الحضارات من شأنه أن يقدّم فرصة تاريخية للمسلمين ليجلوا حقائق القيم الإسلامية، ويبرزوا مقاصد الشريعة في جعل الإنسانية تستروح معاني التكريم والعدل والتوازن بين العقل والدين.

يعالج المؤلف في كتابه (في ميزان الإسلام) أبرز القيم الإسلامية الكبرى، ضمن أربعة فصول شملها الكتاب، وهي: العدل، والتكافل الاجتماعي، والوحي والعقل، والاجتهاد، وفي الفصل الخامس يبرز مشاهد من تاريخ التعاون بين الأمراء والعلماء.

تناول الكتاب قيمة العدل في الفصل الأول (العدل .. شرع الله)، وأكَّد أنَّ العدل في الإسلام ركن من أركان تنظيم الإسلام للحياة وهو مقصد من المقاصد الشرعية التي يجب أن تدور الأحكام في فلكها.
وأوضح أنَّ الحضارة الغربية ما ضلّت إلا عندما نظرت إلى (العدل) نظرة تمزيقية فقرّرته في بلادها وبين مواطنيها، وظلمت الشعوب الضعيفة واحتلتها وأذلّتها. في حين أنَّ الإسلام وازن في عدْله بين جميع القوى الفاعلة في الحياة، وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، لأنَّ العدل –كما يرى المؤلف– هو الميزان الذي يضبط مفهوم الحرية والمساواة.
ومن هنا، يستخلص الكاتب أنَّ المزج بين العدل والمساواة، يمثل إحدى صور عظمة الإسلام، فلا حرية ولا مساواة بلا عدل، وبلا شريعة حاكمة للناس جميعاً على قدم المساواة.

وفي الفصل الثاني يبحث قيمة (التكافل الاجتماعي)، فيقول: "يقصد بمصطلح التكافل الاجتماعي تضامن أبناء المجتمع وتساندهم سواء كانوا أفراداً أو طوائف أو حكّاماً أو محكومين، وذلك بدوافع إيمانية نبيلة تهدف إلى غايات كريمة تنتهي إلى تحقيق الرعاية الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لجميع أبناء المجتمع".
ويؤكّد الكاتب في هذا الفصل على حقيقة شمولية التكافل الاجتماعي في الإسلام للجوانب المادية والروحية، ويقسّم التكافل إلى شعبتين؛ شعبة مادية سبيلها مدّ يد المعونة في حاجة المحتاج وإغاثة الملهوف، وشعبة أدبية، يقصد بها تعاون المسلمين في مجال التعليم والنصح والإرشاد والتوجيه.
ويرى الكاتب أنَّ التكافل المادي لا تتحقق أهدافه إلا بالوقوف فوق الأرضية المعنوية والأدبية، وأنَّ التكافل المعنوي هو الذي يضمن فعالية التكافل المادي.
ويعرض المؤلف في هذا الفصل صوراً من صور التكافل الاجتماعي في الإسلام؛ منها: التكافل الخلقي، والذاتي، والأسري، وحق الجار، ورعاية اللقيط، وكفالة اليتيم.
وفي هذا السياق، ركّز المؤلف على نظام المواريث وعلاقته بالتكافل الاجتماعي، حيث أكَّد على أنَّ الإسلام لم يجعل نظام المواريث قواعد رياضية جافة تقطع كل الوشائج والأرحام، بل نجدها مصبوغة بقيم الإسلام، الذي يرشدنا دوماً في إطار من الحب والتكافل والرّحمة.
وعرض الكاتب في هذا الفصل، أساسيات الحياة التي ضمنها الإسلام لكل الناس الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي –مسلمين كانوا أو غير مسلمين– منها: أمن السرب (حماية الدم والعرض والمال)، وأمن الصحة، وأمن القوت، وأمن التعليم، وأمن الكوارث، وأمن الدين.

أمّا الفصل الثالث، فقد خصّصه المؤلف لمسألة الوحي والحقل، وجاء عنوان الفصل (الوحي والعقل جناحا الحضارة الإسلامية)، وانطلق الكاتب من مقولتين –يراهما صحيحتين كلّ الصحة؛ الأولى: إنَّه ليس بالدين وحده يحيا الإنسان. والثانية: إنَّه ليس بالعقل وحده يحيا الإنسان.

ويؤكد أنَّ الدين لن يعمل في الحياة عمله إلا بواسطة أصحاب العقول، والعقل لا يستطيع وحدة أن يبني حياة إنسانية دون معالم الدين، ودون هدي الوحي، وغذاء الروح والضمير، والمنظومة القيمية والأخلاقية. ويقول: "منذ ظهر الإنسان على وجه الكون، خليفة في الأرض، وثمّة مصباحان منحتهما العناية الإلهية، الوحي (الدين)، والعقل (العلم)، وبهما معاً انطلق من الجنة ليسير رحلة هذا الكوكب الأرضي".
ويشدّد على أنَّ ما يسمّى بالنزاع بين العلم والدين أمر لم يظهر كقضية في الحضارة الإسلامية، مدلّلاً على أنَّ علماء الرياضيات والفلك والطبيعة يعتبرون أنفسهم في عبادة لا تقلّ عن عبادة إخوانهم علماء الدين.
وبعد أن استعرض الكاتب في هذا الفصل، اعتراضات اللادينيين ضد الدين، يستخلص القول: "من الضروري أن لا تكون المادة وعلاقتنا بها شيئاً تافهاً لا يستحق الوقوف عنده بالفكر الطويل، كما لا ينبغي أن تكون هي الأمر الوحيد الذي نقف عنده غافلين عمّا وراءه من قيم ومُثل يدركها العقل".
وتحت عنوان: "المستقبل للدين والعلم معاً"، يؤكّد المؤلف على أنَّ روح العلم في طريقتها وجوهرها لا تعادي الدين؛ إنها روح عظيمة تستهدف إخضاع الظواهر للقوانين، أي إلى النظام، إلى الثبات في التعبير، إلى المنطق، إلى العقل، إلى رؤية الأثر الواحد المتناسق الجميل.

وفي الفصل الرَّابع، يبحث المؤلف موضوع الاجتهاد من باب أنّه وسيلة عقل المسلم لفقه الدنيا والدين، ويؤكد فيه أنّه لا بد للعقل المسلم أن يعمل بأقصى طاقاته، في ضوء ثوابته الإسلامية (وهو ما نسمّيه في الاصطلاح الاجتهاد)، وليس الاجتهاد محصوراً في التشريعات الفقهية بتبيين ما هو حلال وما هو حرام، فهذا الأخير هو مجرّد رافد واحد من روافد الاجتهاد، فالأصل أن يعمل العقل المسلم في (فقه الكون)، لأنَّ الكون هو كتاب الله المنظور، كما أنَّ القرآن الكريم هو كتاب الله المسطور، وكلاهما يؤيّد الآخر ويفسّره.
ويرى المؤلف أنَّه من الضروري أن يفتح باب الاجتهاد للجميع في ضوء تكاملية المعرفة، كما يرى أنَّ الاجتهاد في عصرنا يجب أن يكون اجتهاداً يضمّ المبدعين في كثير من العلوم، شرعية كانت أو فلكية أو طبيعية أو كيميائية أو طبيّة أو هندسية. ويشدَّد في هذا السياق، على أنَّ الاجتهاد في العلوم الشرعية تعدّ بمثابة الأرضية التي تقف عليها الاجتهادات الأخرى، وبمثابة الضمانات والضوابط التي تحمي الإبداع البشري من الانتحار والسقوط، وتجعل منجزاته في خدمة الحياة والإنسان ومنهج الله.
وتحت عنوان: (الاجتهاد في أمور الدين)، يقول المؤلف: "يعدّ (منهج الاجتهاد) من أبرز ميزات التفكير الإنساني العلمي، وعندما يكون التفكير بلا منهج أو منطق معقول يصبح تعبيراً شعرياً ذاتياً غير صالح للتعميم والتقعيد وتحقيق الفائدة العامة". ويضيف: "والاجتهاد في أمور الحياة العامّة مفتوح بلا ضوابط إلاّ ضوابط المصلحة والمنفعة والأخلاق الإنسانية. أمَّا الاجتهاد الاصطلاحي المرتبط بدين، وهو الإسلام، فلا بدّ من أن يكون محكوماً بالنصوص الإسلامية القطعية الثبوت والدلالة..".

ويرى الدكتور عبد الحليم عويس أنَّ السبب الرّئيس لاضمحلال الاجتهاد في بعض العصور هو جنوح الأمَّة الإسلامية إلى الكسل العقلي والدخول في عصر الحواشي غير المفيدة إلاّ فيما ندر، حسب تعبيره. ويضيف أسباباً أخرى، برأيه، منها: الاعتقاد بأنَّ ما دوّنه العلماء من اجتهادات في كتب المذاهب كافٍ لسدّ حاجات المسلمين، ومنها: التعصب المذهبي، ومنها أيضاً: كثرة التهجم على أئمة المذاهب في كتب الفقه، ومنها: شيوع التخوّف بين العلماء في تلك العصور من الكيد والرمي بالابتداع، فيحجمون عن الاجتهاد.

وفي الفصل الخامس الأخير، عرض دروساً منتقاة من التاريخ الإسلامي من خلال شواهد من تاريخ التعاون بين الأمراء والعلماء، في طريق التمكين لدين الله في الأرض.. من هذه الشواهد، التكامل بين الساسة والدعاة في العصر المملوكي والعثماني، والتكامل بين أمراء المماليك والعلماء في مقاومة التتار. كما عرض شواهد أخرى من التكامل بين الساسة والدعاة في المغرب العربي والهند.
وأكَّد أنَّ الأمراء والعلماء يمثلون عقل الأمَّة وقلبها، وبدون عقل وقلب لا يمكن أن يتحرّك الجسد الإسلامي. وفي ختام هذا الفصل، يأمل المؤلف أن يلتقي الأمراء والعلماء على ثوابت الأمَّة المستقاة من دينها وحضارتها ورسالتها الربانية الإنسانية.

الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس (1943 - 2011م)

مع المؤلف:

عبد الحليم عبد الفتاح محمَّد عويس.
ولد في قرية سندسيس- مركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في 12 تموز/يوليو 1943م.
نال درجة الدكتوراه عام 1978 عن بحث: ابن حزم الأندلسي مؤرّخًا. وحازَ عويس درجة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الدولية بأمريكا اللاتينية عام 2009م، ثم الوسام الذهبي للعلم والآداب والفنون من الجمهورية السودانية عام 2011م.
عمل الدكتور عبد الحليم عويس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سبعة عشر عامًا، ورقي فيها إلى درجة أستاذ (1990م). ودرَّس في العديد من الجامعات الإسلامية وأشرف على عشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات الإسلامية.
أنجز عدداً من الموسوعات العلمية؛ منها: موسوعة في الفقه الإسلامي، وتفسير القرآن للناشئين، كما أشرف وأسهم في كتابة موسوعات في التاريخ، وتاريخ الإدارة، والحضارة الإسلامية.
لديه أكثر من مائة مرجع وكتاب وبحث علمي في التاريخ والحضارة والثقافة والعلوم الإسلامية، منها: تفسير التاريخ علم إسلامي (تأصيل لفلسفة التاريخ إسلاميًا بطريقة أكاديمية). الفكر اليهودي بين تأجيج الصراعات وتدمير الحضارات. صفحات من جهود المسلمين في الحضارة الهندية. أثر التغريب وخيانة التاريخ على مستقبل الأمة الحضاري. التكاثر المادي وأثره في سقوط الأندلس. النهضة الإسلامية بين مسؤولية القيادة وواجبات الأمَّة، وغيرها.
توفي –رحمه الله- في 9/12/2011م، بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 68 سنة.

-------------------------------------------------------------------------------------------------------

بطاقة الكتاب:
العنوان: في ميزان الإسلام.
المؤلف: أ. د.عبد الحليم عويس.
دار وسنة النشر: إدارة الثقافة الإسلامية – الكويت - سلسة روافد (46) – 2011م.
عدد الصفحات: 163 صفحة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الأركان الأربعة

يرتكز بناء الإسلام على دعائمَ خمس مبيَّنَةٍ في الحديث الذي رواه الشيخان من رواية عبد …