أطفالنا ورمضان.. كيف نظلمهم بعطفنا عليهم أحياناً؟

الرئيسية » بصائر تربوية » أطفالنا ورمضان.. كيف نظلمهم بعطفنا عليهم أحياناً؟
kidsmosque

عابر سبيل، يمر علينا أثناء سفره، يحط رحاله قليلا، لا ليقترب منا وإنما ليقربنا، محملا بعطايا وهدايا ورسائل، تزودنا بالطاقة والنور الكافي لنا لنستمر في فترة غيابه التالية.

نقبل هداياه بحب وشوق، ولكن يغيب عنا فهم رسائله أحيانا، سواء رسائله الاجتماعية أو الاقتصادية أو التربوية.

دعونا في هذا المقال نفك شيفرة إحدى رسائله التربوية، نفهمها ونتعلم كيف نطبقها ونستفيد منها، فلا ندعه يرحل قبل أن يحصل لنا التأثير المطلوب بإذن الله.

تمرالأيام علينا سراعاً واحداً تلو الآخر، وأولادنا يكبرون أمام عيوننا دون أن نشعر، ننظر إليهم على أنهم مازالوا صغاراً، لكن ما إن يطرق #رمضان بابنا حتى يوقظنا من غفلتنا، وينبهنا إلى أنهم قد أصبحوا أكبر بسنة من مروره السابق، رمضان يأتي إلينا ليجعلنا نراهم بعيونه، عيون ذاك الضيف الذي لم ير أولادنا منذ زمن، ثم يصيح قائلا عند رؤيتهم: ماشاء الله كم كبروا!

فنعيد النظر إليهم ونتأملهم، لنرى أنهم قد كبروا حقاً، وأصبحوا واعين أكثر من ذي قبل، وأصبح بإمكانهم التعرف على هذا الضيف، ربما ما زالوا كما السابق لايستطيعون الصوم، لكن بالتأكيد أصبحوا أكثر فهماً لمعناه، وأصبح بإمكانهم الاستعداد النفسي ليستقبلوا رمضان بأنفسهم في السنة القادمة.

بعض الأطفال أصبحوا قادرين على صيام جزء من اليوم، والبعض الآخر قادرون على صيام يوم كامل، ولكن رقة قلب أهلهم واعتقادهم أنهم مازالوا صغارا تجعلهم يرفضون أن يصوموا، وخاصة أن للصيام خصوصية زيادة عن غيره من العبادات، كونه يرتبط بالطعام والصحة والتغذية، ووقته أطول من غيره، لذا يظن كثير من الآباء أن #الصيام قد يسبب لأبنائهم سوء تغذية، وقد يسبب لهم ضعفاً جسمياً ويقلل من متعتهم!

ومن المؤكد أن الله تعالى لايكلف نفساً إلا وسعها، فإن كان الصيام يضر بالطفل بحق، فلا داعي لأن يصوم كل الوقت أو طول النهار، لكن هذا لا يمنع من صيامه قدر استطاعته ومن قيامه بتقديم الصدقات للمساكين، وصلة الرحم، وقراءة القرآن، والإحسان للجار.

أما إن كان الأمر مجرد خوف عليه من الجوع والعطش، فالأولى أن نعلمه كيف يكون على قدر المسؤولية.

إذا كان الصيام يضر بالطفل بحق، فلا داعي لأن يصوم كل الوقت أو طول النهار، أما إن كان الأمر مجرد خوف عليه من الجوع والعطش، فالأولى أن نعلمه كيف يكون على قدر المسؤولية

ولنا في فعل صحابة رسول الله قدوة، حيث كانوا يأمرون الصغار بالصيام، فقد روى البخاري ومسلم عن الربيع بنت مُعّوذ-رضي الله عنها-قالت: "أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه". فكُنَّا بعد ذلك نصومه، ونصوَّم صبياننا الصغار منهم –إن شاء الله- ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار" والعهن: هو الصوف.

ونحن أيضا بإمكاننا أن نهيء لهم أنشطة ممتعة كي نلهيهم عن الجوع، ويشعرون بأن رمضان هو شهر الخير والفرح، لأشهر التعب والحرمان والعصبية والصراخ.

ورغم أن للصيام الخصوصية السابقة، لكن رقة قلب #الآباء تنسحب على كثير من العبادات والمعاملات، فلا يوقظوهم للصلاة، كي لايزعجوهم، ويقلقوا راحتهم!

وترى الأم بكامل لباسها المحتشم وابنتها التي تعلوها طولاً ماتزال بالملابس الضيقة والقصيرة بحجة أنها ماتزال صغيرة، ولندعها تستمتع بشبابها؛ كي لا تشعر بالكبت، وكي تكون مثل قريناتها وبنات جيلها!

صحيح أن الصغار يرغبون بتقليد الكبار، لكنها رغبة عابرة بالتقليد، وليست التزاماً حقيقيا بالمطلوب، فنادراً أن يأتي الطفل ويقول لأبويه أنا كبرت وسألتزم بالصلاة أو بالصيام وحسن التعامل، كل ذلك يجب على #الوالدين أن يدربوا الطفل عليه تدريجياً، وأن يبثوا في روعه أنه قد أصبح أكبر، وأصبح بإمكانه إنجاز مالم يكن يستطيعه من قبل.

يتفاوت الصغار في قدراتهم الجسمية والعقلية، وربما يكون أحدهم أفضل من الكبار في ذلك، ووعينا لهذه الحقيقة يجعلنا نختبر قدراتهم كل فترة، بدلاً من الافتراض أنهم لايستطيعون ذلك فقط لأن أقرانهم لايفعلونه، بل وأكثر من ذلك، يجب أن ترتفع مكانتهم بيننا ويتلقون معاملة خاصة، وميزات خاصة لتشجعهم على بذل المزيد وطلب المزيد من العلم والعبادة، وإذا عدنا إلى السنة الشريفة وجدنا أن الصبي قد يؤم الكبار البالغين لتميزه بحفظ القرآن، مثل عمر بن سلمة عندما كان صبياً، روى البخاري (4302) وأبو داود (585) والنسائي (767) عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلمَةَ رضي الله عنه قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ قَوْمِي مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا إِنَّهُ قَالَ: لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ. قَالَ: فَدَعَوْنِي فَعَلَّمُونِي الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ".

ومن تمام فضل الله علينا، فإن رمضان لا يعطينا هذه الرسالة فحسب، بل يهيئ لنا الجو الإيماني الجماعي، والسكينة والهدوء النفسي العام، الذي يكون خير معين لأولادنا على الالتزام بسهولة أكثر من الالتزام الفردي.

وذلك خير لنا ولأولادنا من الشعور بالصدمة، عندما يبلغون سن المحاسبة، ويصبحون في مواجهة مباشرة مع مسؤولياتهم الدينية، دون أن يتعودوا عليها تدريجياً، ونبدأ بالتساؤل: كيف مر الوقت سريعاً، وأصبحوا كباراً فجأة دون سابق إنذار؟!

كم ظلمنا أولادنا بسبب رقة قلبنا التي تكون في غير محلها، وبسبب نظرتنا القاصرة لهم!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صيدلانية، ومستشارة أسرية، صدر لها عام 2016 كتابين للأطفال، وكتاب للكبار بعنوان "تنفس". كتبت الكثير من المقالات التربوية والفكرية والاجتماعية على بعض المواقع والمجلات، و قدمت العديد من الدورات التطويرية والتربوية.

شاهد أيضاً

50 مهارة ناعمة تحتاجُها لتكون ناجحاً وسعيداً مدى الحياة (1-2)

ربما تتساءل كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يكونوا سعداء طوال الوقت؟ يبدو أن #السعادة الدائمة …