يا أيها الناس.. رمضان بريء مما تفعلون!

الرئيسية » بصائر الفكر » يا أيها الناس.. رمضان بريء مما تفعلون!
ramadan-ramallah-min

فرض الله تعالى علينا الصوم في شهر #رمضان، وأراد اللهُ عز وجل، من خلال ما شرعه من عبادات دعا إليه نبيه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، من مكارم الفعل وخيره؛ أن يتحول الشهر الفضيل إلى موسم للعبادة والنفحات والرحمات، وتنقية روح الإنسان مما يعلق بها في مسارات حياته بقية العام.

إلا أننا، في مجتمعاتنا العربية والإسلامية المعاصِرة، نقف أمام مجموعة من الظواهر السلبية التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، حمَّل بها الجمهور العام الشهير الفضيل، بما لا يطيقونه، فتحول من شهر العبادة والمغفرة والنفحات، إلى عبءٍ ثقيل عليهم، وبالتالي؛ فقد الكثير من المستهدف الرباني منه، ومن قدرة الإنسان المسلم على الاستمتاع به، والفوز بمغانمه.

وزاد من الأثر السلبي لهذه الممارسات، ظهور جيل جديد، لم يتلقَّ التعليم الديني الكافي، ولا تشبَّع بالمعرفة الصحيحة للشريعة الإسلامية، ولا ارتبط بدينه بالشكل الكافي من الأصل، بسبب مخططات التغريب والتخريب التي تعرضت لها المجتمعات العربية والإسلامية، واستهدفت هويتها.

ما زلنا نقف أمام مجموعة من الظواهر السلبية التي ما أنزل الله بها من سلطان، حمَّل بها الجمهور العام الشهير الفضيل، بما لا يطيقونه، فتحول من شهر العبادة والمغفرة والنفحات، إلى عبءٍ ثقيل عليهم

فتحول شهر رمضان المبارك لدى هذه الأجيال، إلى صورة ذهنية خاطئة، وهو ما أبعد الأجيال الجديدة عن صميم روح ومعنى الشهر الفضيل.

من أهم هذه الممارسات، التركيز على الإنفاق الاستهلاكي والإسراف في الطعام والشراب، بالرغم من أن جانبًا من حكمة الله تعالى من فرض #الصوم عن شهوتَيْ البطن والفرْج في الشهر الفضيل، هو تهذيب النفس الإنسانية، وتعويدها على الزّهد، وتغليب الإرادة على الرغبات المادية التي تسقِط الإنسان في درك البهيمية في كثير من الأحيان، وبالرغم – كذلك – من أن الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، نهى عن أن يملأ الإنسان بطنه، وقال: "بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صُلْبَه" [حسن صحيح/ أخرجه الترمذي].

و#الإسراف سلوك منهيٌّ عنه في القرآن الكريم بشكل مغلَّظ، وصل إلى مستوى مساواته بالكفر.. فمن بين الآيات القرآنية الكريمة التي تناولت الإسراف المادي، يقول الله تعالى في سُورة "الإسراء": {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)}، وفي سورة "الأعراف"، يقول عز وجل: {.. وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)}.

من أهم الممارسات السلبية التركيز على الإنفاق الاستهلاكي، والإسراف في الطعام والشراب، بالرغم من أن جانبًا من غايات الشهر هو تهذيب النفس الإنسانية، وتعويدها على الزُّهد، وتغليب الإرادة على الرغبات المادية التي تسقِط الإنسان في درك البهيمية

كذلك هناك المفاهيم الخاطئة التي غُرِسَت غرسًا بفعل عقود من تغييب المفاهيم الصحيحة للدين عن الغالبية من المسلمين، من أن الشهر الفضيل هو شهر الراحة وقلة النشاط بحجة الصوم، بالرغم من أن العلم الحديث أثبت أن للصوم فوائد صحية كبيرة.

وبالتالي، ومع شيوع هذه الممارسة، وغيرها؛ فقد تخلَّقت صورة ذهنية غير صحيحة بالمرَّة عن شهر رمضان، لدى أصحاب الديانات الأخرى، وحتى – كما تقدَّم – لدى الأجيال الصاعدة، التي تربَّت تربية مدنية، وتلقت تعليمًا غير ديني، بالرغم من أن الشهر الفضيل غير مسؤول عنها.

فلا الله تعالى الذي شرع لنا الصوم في شهر رمضان، ولا الرسول الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم"، الذي سَنَّ فيه السنن الطيبة، مثل ختم القرآن الكريم، وصلاة التهجُّد، قد أمرا بالإفراط في النوم والكسل فيه، ولا جعلت الشريعة الإسلامية "الخيم الرمضانية" التي تُمارَس فيها أسوأ وألعن ألوان الانحرافات السلوكية، أو المسلسلات "الرمضانية"، جزءًا من طقوس الشهر الكريم.

وساهم من وطأة هذه الحالة "الجهود" الجبارة بالفعل، التي يبذلها الإعلام العلماني من أجل تغيير نمط حياة المسلمين في شهر رمضان، من النمط الديني السليم، إلى ذلك النمط المُشوَّه.

لا الله تعالى ولا الرسول الكريم، قد أمرا بالإفراط في النوم والكسل فيه، ولا جعلت الشريعة الإسلامية "الخيم الرمضانية" التي تُمارَس فيها أسوأ وألعن ألوان الانحرافات السلوكية، أو المسلسلات "الرمضانية"، جزءًا من طقوس الشهر الكريم

وساهم ذلك في حقيقة خطيرة، وهي المزيد من التباعُد بين الأجيال الجديدة وبين دينها؛ حيث تزايدت في السنوات الأخيرة نظرة مشوهة لشهر رمضان، بأنه تحول إلى مجرد مراسم لدى الكثير من الشباب "المسلم"، بل وظهرت أصوات تدعو إلى ترك الفضيلة من الأصل، باعتبار أنها تقود إلى الكسل والفتور، بينما هي خلاف لذلك بالإطلاق.

وبالفعل؛ فإنه بالنظر إلى بعض الاستقصاءات وبرامج الرأي التي تنتجها بعض القنوات الإخبارية الدولية، التي لا تلتزم الخط الإسلامي في سياساتها التحريرية بطبيعة الحال؛ سوف نجد أن استطلاعات الرأي التي تجريها في أوساط الشباب في مواسم الفرائض الإسلامية المختلفة، مثل رمضان والحَج؛ أن الكثير من أبناء الأجيال الصاعدة في الوقت الراهن – بسبب هذه الممارسات، وبسبب غياب التنشئة الدينية السليمة في المقابل – قد بدأت تعزف عن العبادة، بالرغم من أن إسلام المرء لا يكتمل من دونها.

في المقابل، لا يبذل علماء الدين والتربويون ورجال الإعلام والتنشئة الإسلامية، الجهد اللازم من أجل مواجهة مثل هذه الظواهر، وتنقية الصورة الذهنية لشهر رمضان، من الكثير من البِدَع السيئة التي مسَّت جوهر العبادة، بل وجوهر العقيدة نفسها.

وربما كان الأمر شديد الصعوبة في ظل الحرب الراهنة بين الأنظمة والحكومات في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وبين الحركات الإسلامية التي تمثل طليعة الأمة.

ففي إطار هذه الحرب؛ مسَّت الأنشطة الإعلامية للأنظمة والحكومات، صحيح الدين نفسه، الذي طاله الهجوم الذي يستهدف هذه الحركات، وتحت الحاجة إلى كسر منطلقات هذه الحركات وخطابها؛ كان استهداف الدين نفسه.

واستغلت بعض التيارات من غلاة العلمانين والليبراليين، هذه الفرصة، وبدأت في تنفيذ أجندة تستهدف الدين بذاته، وهم لا ينكرون ذلك، حتى لو أنكرته الحكومات.

استغلت بعض التيارات من غلاة العلمانين والليبراليين، فرصة هجوم الحكومات على الحركات الإسلامية، وبدأت في تنفيذ أجندة تستهدف الدين بذاته، وهم لا ينكرون ذلك، حتى لو أنكرته الحكومات

فالحكومات مهما كان؛ لا يمكنها أن تعلن صراحة أنها تستهدف الدين، لأنها تعلم أنه لم يزل بعد متأصِّلاً في نفوس الشريحة الكبرى من أبناء المجتمعات، أما التيارات الليبرالية والعلمانية؛ فإن خصومتها مع الدين نفسه، باعتبار أنها تتعارض معه أيديولوجيًّا.

إلا أن هذا الوضع قد تطور إلى صورة خطيرة بالفعل كما كشفتها الاستقصاءات السابق الإشارة إليها، وبعض المؤشرات التي نراها من الواقع، مثل الجهر بالإفطار، والدعوة إلى تقنينه، وما إلى ذلك، مما يفرض على الطليعة من العلماء والتربويين الحركيين البحث في الوسائل المناسبة للوصول إلى الأجيال الجديدة، وكذلك القديمة التي خرجت من هويتها الإسلامية الصحيحة، من أجل معالجة هذه المشكلة، وتصحيح الصورة الذهنية لرمضان والفريضة حتى أمام غير المسلمين، في الداخل والخارج.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

النكبة وأخواتها.. حتى لا تتحول إلى مجرد “ذكرى”!

لا أحد يمكنه إنكار أهمية دراسة التاريخ؛ حيث تمثل النماذج التاريخية المختلفة، على أقل تقدير؛ …